الكتابة هي السلوك الحر الوحيد الذي أعرفه

لا شيء أثقل على قلبي من همّ الكتابة، كما لا شيء باستطاعته صدّي حينما أكون مغمورا بالرغبة إليها، ولأنني أبدو ليلاً أكثر اتصالا مع نفسي ومشاعري وللصوت الخافت الذي يناديني من بعيد، أكنّ رضوخا مسالما ولا مباليا في الوقت نفسه لساعات الليل، مضحيا بأجندة النهار، مجازِفا باجتماعات اليوم التالي، حينها فقط تتراءى لي الوعود كشيء هزيل وغير جدير بالنظر، الكثافة الداخلية تحيلني إلى إنسان بارد مصاب ببلادة مؤقتة، لكنني بالتأكيد لست فوضوية كما تقول أختي الصغيرة وهي تقاطع هذا السرب الكثيف من الرغبة، لتطلب مني أشياء مملة وتلوم طريقتي في التعاطي مع الأمور، فأنا مثلا لم أنم منذ نهار اليوم الفائت، تنتظرني رحلة بعد أقل من عشر ساعات من الآن، لم أبدأ بتوضيب حقائبي وأعجز عن قراءة الوقت لأن ذهني محموم بالكتابة، ومع ذلك أظن بأن هذا النعاس الطفيف يكفل ما تبقى من اليقظة، هناك شعور حيّ تسيل منه الكلمة ويعز علي أن تضيع، إذ لدي إلحاح وعاطفة ويقين صغير يطالبني برتق هذه الفجوة.

لم يكن الربع الأول ولا الثاني من هذا العام سوى ركضٍ مستمر، أهلكت نفسي في احتمالات كثيرة، حشدت بداخلي معظم الأبعاد التي تطارد إنسانا في الثلاثين من عمره، وصدّقت ببراءة بالغة، بعضها. أخذتني هذه الحياة في لعبة غامضة، استيقظت مرارا بقلبٍ بارد بينما كنت أتوسد حرارة الرغبة في الليلة الماضية، أخذني تأرجح رهيب، بدى ما حولي أبطالا رئيسيين في مشهد الحياة، وكنت آخذ دور المشاهد الوديع، كنت وديعا نعم وهذا ليس وصفا مجازيا، ليس من طبعي التمرد على شيء، كما ليس من طبعي الاستسلام لأي شيء، هذا التناقض العجيب جعلني أتبنى مشهدا واضحا وقويا وراسخا لحياتي، مشهدا حلوًا لم أبرح لمس ظلاله. عرفت كل ما أشتهيه منذ عمرٍ صغير، كنت وما زلت أتصور الحياة كلوحة ممكنة؛ علّقت آمالا، وتبعتها، وحظيت بروعتها، وعلقت آمالا وساقها القدر إليّ ثم علمني محبتها بغزارة لأتخلى عنها وأنا أبكي. لم يكن حزني طويلا، لم أتوقف مرة على خسارة ما- كنت أفضّل طرق أكثر هوادة لتلتئم جراحي، ونادرا ما كنت أفشل في تبديد القتامة التي تأتي بعد قرارٍ حزين، كنت ألوذ بالاحتمالات التي لا تطرأ كثيرا على بال أحد، وكنت أجيد فكرة الانشغال، جُبلت على الانشغال معظم الوقت، تبدو حياتي وكأنها دوامة من الاحتفالات المستمرة، ولا أعني بذلك على أنها سلسلة متواصلة من اللحظات السعيدة، ولكن على الأقل كانت مسكّنًا تروق لي آثاره غير الممتدة إلى ساعات الليل الأخيرة.

لا أستطيع تصنيف نفسي وفق قوالب السعادة أو الحزن، ولا أستطيع اختزالي في شعور ضيق ووحيد، أنا مزيج إنساني حي يملك غزارة شعورية متفاوتة يعوزها معظم الوقت حواس الآخر، وأكاد أجزم بأنني لا أعرف شيئا كما أعرف كيف أتحدث عن شعوري وأعيد تصوير الأحاسيس، وتحبطني كثيرا هذه الهوّة التي لا تفيض إلى قلبٍ عزيز. وأقول عزيز لأنني أمنح شعوري قداسة الإفصاح، وأزعم بأن الكلمة ستجد سلوان الإنصات لدى قلبٍ حي، مغمورٌ بالإدراك، يستطيع أن يشرّع نوافذ جديدة ويشاركني تسميتها بملء عاطفته.

أُكمل كتابة هذه التدوينة وأنا على متن رحلة تفصلني عن الأرض بآلاف الأميال، الطائرة من الداخل مظلمة، لا شيء سوى أضواء الهواتف المحمولة وبكاء طفلٍ رضيع. وأنا وحيدة لا أكفّ عن الاستغراق في أمنية عابرة وصغيرة، لطالما راودتني الأمنيات العذبة في طرق السفر، إذ يأخذني شرود طويل للأضواء اللامعة من مكانٍ بعيد، وأحيانا أتبع القمر أو أتأمل النجوم في ليلٍ حالك، أحببت الرحلات الليلية لأنها تمنحني مساحة صامتة وهادئة، شعور جديد لاكتشافه، مصادفة شاعرية لمكان لست أعرفه.

أضف تعليق